فوزي آل سيف

96

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

7/ من فلسفة عدة الطلاق والوفاة.. يتفق العدلية (من الشيعة والمعتزلة) على أن الأحكام الإلهية تابعة للمصالح والمفاسد، وأن الله سبحانه لا يشرع حكما من دون أن يكون فيه نفع في متعلق ذلك الحكم سواء لنفس العامل به أو للمجتمع، او فيه فائدة من الفوائد، وهكذا الحال بالنسبة إلى تحريم أحد المحرمات. وقد تكون المصلحة في نفس التشريع لا في كل حكم بمفرده، أو بالنسبة إلى كل شخص، وإنما كما ينظر في القوانين للمصلحة العامة والغالبة كذلك هنا قد يكون الأمر. وقد يكون في شيء مصلحة معينة لكن لا بد من ملاحظة أنه هل هناك مصلحة مزاحمة لهذه المصلحة؟ أو لا توجد ومتى كان هناك مزاحمة فأي المصلحتين تتقدم وهكذا. ومع كل ما تقدم فلا يعني أننا ما لم نعرف تلك المصالح والمفاسد، فإذن لا تكون الأحكام ثابتة وقائمة. ثبوت تلك المفاسد والمصالح عندنا، ومعرفتنا إياها ووصولنا إليها شيء مختلف تماما عن أصل وجودها. لذلك كانت هناك حاجة إلى تعريف تلك المصالح وتوضيحها (في الجملة) من جهة الوحي كالذكر الحكيم أو سنة النبي والمعصومين، لبيان أن أحكام الله سبحانه ليست اعتباطية وإنما تنطلق من الحكمة، ولكن هذا التعريف ليس بالضرورة شاملا لكل الأحكام، كما أن طريقة بيانه ليست بشكل واحد، فقد تكون تقريبية للمتلقي، وقد تكون إشارة إلى جهة من جهات الحكمة أو العلة.. وهكذا. وأمامنا نص رواية عن الامام الجواد عليه السلام تعرض فيها إلى حكمة تشريع العدة على المرأة في الطلاق والوفاة، وليست هي العلة التامة، وإنما هي تقريب وتنظير وشرح ليألف الذهن الحكم الشرعي، وهو ما رواه الشيخ الكليني بسنده عن محمّد بن سليمان عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي عليه السلام، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، كَيْفَ صَارَتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَ حِيَضٍ أَوْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَصَارَتْ عِدَّةُ الْمُتَوَفّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً؟ فَقَالَ: «أَمَّا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، فَلِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ مِنَ الْوَلَدِ؛ وَأَمَّا عِدَّةُ الْمُتَوَفّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - شَرَطَ لِلنِّسَاءِ شَرْطاً، وَشَرَطَ عَلَيْهِنَّ شَرْطاً، فَلَمْ يُحَابِهِنَّ فِيمَا شَرَطَ لَهُنَّ، وَلَمْ يَجُرْ فِيمَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِنَّ؛ أَمَّا مَا شَرَطَ لَهُنَّ فِي الْإِيلَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، إِذْ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖ} فَلَمْ يُجَوِّزْ لِأَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي الْإِيلَاءِ؛ لِعِلْمِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالى - أَنَّهُ غَايَةُ صَبْرِ الْمَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ. وَأَمَّا مَا شَرَطَ عَلَيْهِنَّ، فَإِنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، فَأَخَذَ مِنْهَا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ لَهَا فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ إِيلَائِهِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗا} وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَشَرَةَ الْأَيَّامِ فِي الْعِدَّةِ إِلَّا مَعَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَعَلِمَ أَنَّ غَايَةَ صَبْرِ الْمَرْأَةِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ، فَمِنْ ثَمَّ أَوْجَبَهُ عَلَيْهَا وَلَهَا»[236].

--> 236 المصدر السابق ١١/٦١٣